عبد الملك الجويني

23

الشامل في أصول الدين

هذا اليوم كان لا يتم لها ، وإن لم تفطر . فقد اختلف العلماء في وجوب الكفارة عليها . قال القاضي رضي اللّه عنه : والحكم بتكفير من مات في الصورة التي قدمناها يضاهي الحكم بتأثيم المفطرة وهي مؤثمة ، وإن طرأت الحيضة عليها . وهذا ظاهر ، ولكنه رحمه اللّه أومأ مع ذلك إلى أن المسألة مجتهد فيها وليست من القطعيات . فهذه أصول النظر : لا يشذ منها من مقاصد النظر شيء إن شاء اللّه ، أتينا فيها بالمقاصد ، وأضربنا عن التطويلات والتكريرات ، وكان الترتيب يقتضي أن نعقب النظر بمراتب العلوم وأبواب الأدلة ، ولكنا ألفيناها مرتبطة بالعلل والمعلول والشرط والمشروط ، والحقيقة والحال ، وتقسيم صفات النفس والمعنى ، فرأينا تأخير ذلك إلى مفتتح الصفات ، واللّه الموفق للصواب . ثم إن القاضي رضي اللّه عنه جرى في شرح الكتاب المترجم « باللمع » على ترتيب كلام شيخنا . فصدّر الكتاب بإثبات الصانع ، ثم انعطف على إثبات حدث العالم . فهذا الترتيب غير مستنكر ، ولكن المستحب عندنا تقديم حدث العالم . القول في حدث العالم اعلموا تولي اللّه إرشادكم أن القول في حدث العالم ينبني على تقديم أصول ، وشرح فصول ، وإيضاح عبارات واصلاحات بين المتكلمين ، ولا يتوصل إلى أغراضهم إلا بعد الوقوف على مراميهم ومعاني كلامهم . فمما يحتاج إلى بسط القول فيه : الشيء ومعناه ، والجوهر وحقيقته ، والعرض وماهيته . وأول ما نقدمه إيضاح معنى الشيء . القول في الشيء وحقيقته ما صار إليه أهل الحق أن حقيقة الشيء : الموجود . كل شيء موجود . وكل موجود شيء ، وما لا يوصف بكونه شيئا لا يوصف بالوجود ، وما لا يوصف بالوجود لا يوصف بكونه شيئا ، فاطرد الحال في طرده وعكسه . والمعدوم منتف من كل الوجوه ، ومعنى تعلق العلم به العلم بانتفائه . وذهبت المعتزلة إلى أن حقيقة الشيء : المعلوم ؛ واطردوا ذلك وعكسوه ، وقالوا على مقتضاه : كل معدوم شيء . وأول من أحدث هذا القول منهم